الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله و صحبة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد .
فقد أعدت هذه المذكرة لتكون مساعداً لطلاب المستوى الرابع والسادس والثامن في كيفية البحث العلمي ومعرفة المراجع .
المقدمة :
لقد أمر الشرع بطلب العلم الشرعي ، ورتب على طلبه ، وحضور مجالسه ، ونشرة بين الناس فضل عظيم.
فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من سلك طريقا يبتغي فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاء لطالب العلم ، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء ، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب . وإن العلماء ورثة الأنبياء ، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما إنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر ". أخرجه أحمد وأصحاب السنن وسنده جيد . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة ، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده . ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه )) . أخرجه مسلم .
وسائل طلب العلم
من أهم وسائل طلب العلم :
* الدروس المنهجية : متن فقهي يقرأ على أهل العلم كالدروس و الدورات التي تقام في المساجد ، و دروس الكلية .
* سماع المجموعات العلمية : وهي مثل الأولى إلا أنها أيسر في السماع .
* القراءة : ينتقي طالب العلم الأنفع من كتب العلماء للقراءة وتقييد الفوائد كالصحيحين وكتب المحققين من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيميه وتلميذه ابن القيم .
* سؤال أهل العلم عما أشكل .
* البحث العلمي : وهي وسيلة أساس في طلب العلم الشرعي وتحتاج إلى مراس وتعود ، لينمو فيها طالب العلم بكثرة البحث وعرضه على أهل العلم لنقده .
* والباحث يحتاج إلى طول نفس في البحث ، وأن يتحمل المصاعب ، وأن يستمر في محاولة تخطي العقبات ، ولذلك كان من أهم صفات الباحث : الصبر .
ومن الشروط التي لابد من توافرها في الباحث :
الشرط الأول : الإخلاص لله سبحانه وتعالى .
الشرط الثاني : التجرد في الوصول إلى القول الراجح بدليله بعيدا عن كل المؤثرات الأخرى ؛ فالعلم معرفة الحق بدليله .
ومن المخالفات في هذا :
- بعض الناس يحدد القول الراجح قبل البحث ، فإذا بدأ بالبحث حشد الأدلة لتعضد رأيه ، وبدأ يتكلف الجواب عن أدلة الأقوال الأخرى .
- بعض الناس قد نشأ على مذهب معين ، أو نشأ في بيئة معينة تسير على أحد أقوال أهل العلم في هذه المسألة ؛ فيكون مائلا إلى هذا القول وراغبا في ترجيحه منتصر له وان تمحل في الاستدلال .
- بعض الناس لا يهتم بالقول الراجح ، والبحث عنده لا يعدو أن يكون لمعرفة أقوال العلماء وأدلتهم فقط ، ولذلك فإنه لا يتجه إلى الترجيح وإن تبيَّن له الراجح بدليله .
- بعض الناس يكون ميزان الترجيح لديه هو القول الأيسر و الأخف وإن خالف الدليل . فإذا اختلف العلماء في مسألة على ثلاثة أقوال : ( التحريم ، و الكراهه ، و الجواز ) رجح الجواز وربما قال : إذا قال بها عالم فهي رخصة . وربما نظر بعد ذلك في الأدلة ليعضد القول بالجواز إن وجد .
وكل ما سبق إنما هو من اتباع الهوى وهو مخالف لمنهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال ، فإن من أهم ما يتميز به أهل السنة والجماعة عن غيرهم من أهل البدع إنما هو في منهج الاستدلال ، فالحق يعرف عندهم _ أي أهل السنة والجماعة _ بالدليل من الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة .
الشرط الثالث : الصدق و الأمانة العلمية في النقل والعزو وكل ما يتعلق بالبحث .
الشرط الرابع : القدرة على الرجوع إلى المراجع العلمية للمسالة وهي على أنواع :
النوع الأول : المراجع الفقهية المذهبية ولها فوائد منها :
- عزو الكلام إلى قائله ، والدقة في تحرير المذهب .
- معرفة أدلة ووجهة كل قول .
- تصور المسائل .
ومن أمثلة هذه المراجع :
- في الفقه الحنفي : ( شرح فتح القدير لابن الهمام _ حاشية ابن عابدين ).
- في الفقه المالكي : ( مواهب الجليل لابن الحطاب _ الشرح الصغير على أقرب المسالك للدردير المالكي).
- في الفقه الشافعي : ( نهاية المحتاج للرملي _ روضة الطالبين للنووي ).
- في الفقه الحنبلي : (الإنصاف للمرداوي _ كشاف القناع عن متن الإقناع للبهوتي ).
ومن الكتب المعاصرة النافعة في هذا (الموسوعة الفقهية) التي تنشرها وزارة الأوقاف بالكويت . وقد وصلت الآن إلى المجلد (39) وهي مهمة لطالب العلم .
تنبيه : هذه المراجع لا تكفي لتحرير وتحقيق المسائل .
النوع الثاني : كتب أهل التحقيق . و ينتفع بها في تحرير المسائل حتى تصل إلى القول الموافق للدليل .ومنها:
- المحلى لابن حزم ( ت 456هـ )
- التمهيد والاستذكار لابن عبد البر ( ت 463هـ )
- بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد ( ت 595هـ )
- التحقيق في مسائل الخلاف لابن الجوزي ( ت 597هـ ) ومعه تنقيح التحقيق للذهبي (ت748هـ).
- المغني لابن قدامه ( ت 620هـ )
- المجموع للنووي ( ت 676هـ )
- إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد ( ت 702هـ )
- مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيميه ( ت 728هـ )
- زاد المعاد لابن القيم ( ت 751هـ )
- الإعلام بفوائد عمدة الأحكام لابن الملقن الشافعي ( ت 804هـ )
- فتح الباري لابن حجر ( ت 852هـ )
- نيل الاوطار للشوكاني ( ت 1250هـ )
ومن الكتب المعاصرة التي اعتنت بالتحقيق و التحرير : ـ
- الشرح الممتع لابن عثيمين .
- تمام المنة للألباني .
- الروضة الندية شرح الدرر البهية لمحمد صديق حسن خان .
- فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء وتقع في 17 مجلد .
- المختارات الجلية لابن سعدي .
- بحوث وقرارات المجمع الفقهي التابع للمؤتمر الإسلامي ، والمجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي.
- الرسائل الجامعية ( الماجستير والدكتوراه )
- المجلات الفقهيه المتخصصة . ومنها :
أ- مجلة مجمع الفقه الإسلامي ( التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي ) .
ب- مجلة المجمع الفقهي الإسلامي ( التابع لرابطة العالم الإسلامي ).
ج- مجلة البحوث الإسلامية ( تصدر عن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد).
د.مجلة البحوث الفقهية ( يشرف عليها الدكتور عبدالرحمن بن حسن النفيسة / الرياض ) .
هـ- مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية ( تصدر عن جامعة الكويت ) .
و.مجلة الحكمة ( تصدر من بريطانيا ).
ومن وسائل الوصول إلى البحوث والدراسات والكتب المعاصرة :
- مركز الملك فيصل للأبحاث ( الرياض )
- مكتبة الملك فهد الوطنية ( الرياض )
ومن المهم للباحث أن يتعرف على كيفية الانتفاع منها .
النوع الثالث : مصادر الأدلة والآثار :
مصادر الأحاديث معروفة كالصحاح والسنن والمسانيد وغيرها ،وأما مصادر الآثار فمنها : ـ
- مصنف عبد الرزاق .
- مصنف ابن أبي شيبة .
- سنن البيهقي .
- الأوسط لابن المنذر .
النوع الرابع : تخريج هذه الأدلة و الآثار :
ويكون ذلك بأمور :
- عزوها إلى من خرجها من أصحاب كتب السنة و الآثار .
- معرفة درجتها وذلك عن طريقتين :
* نقل كلام أهل العلم فيها وحكمهم عليها .
* دراسة الأسانيد والحكم عليها وذلك بأمرين :
- معرفة الرجال وحالهم .
- اتصال السند .
ومن الكتب النافعة في هذا :
- العلل للدارقطني .
- الإمام في معرفة أحاديث الأحكام لابن دقيق .
- نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية للزيعلي .
- الدراية في تخريج أحاديث الهداية لابن حجر .
- التخليص الحبير لابن حجر .
- الأحكام الوسطى لعبد الحق الاشبيلي ( ابن الخراط ) .
- اللؤلؤ المصنوع في الأحاديث والآثار التي حكم عليها النووي في المجموع . أعده / محمد الرميلي –وفقه الله - .
- شيخ الإسلام وجهوده في الحديث وعلومه . للدكتور / عبد الرحمن الفريوائي .
- موسوعة الحافظ ابن حجر الحديثية ( تشمل أحكام ابن حجر على الأحاديث والآثار التي أوردها في جميع كتبه ) جمعه عدد من طلاب العلم ، ويقع في ستة مجلدات .
- إرواء الغليل . للألباني .
- التكميل لما فات تخريجه في إرواء الغليل . للشيخ صالح آل الشيخ .
- ما صح من آثار الصحابة في الفقه لزكريا بن غلام قادر الباكستاني .
ومن الكتب المهمة في علم الرجال :
- التقريب لابن حجر . ومعه تحرير التقريب لـ : بشار عواد وشعيب الأرنؤوط . وهو تحرير مهم ونافع.
- تهذيب الكمال للمزي . تحقيق بشار عواد .
- الكاشف للذهبي . تحقيق : محمد عوامه و أحمد الخطيب .
ومن الكتب المهمة في معرفة طبقات المدلسين :
- جامع التحصيل للعلائي .
- تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس ويسمى طبقات المدلسين لابن حجر .
فـــائدة :
جرت عادة الباحثين السير على بعض خطوات البحث كالآتي : ـ
* أن يقسم البحث إلى : مقدمة ، وموضوع ، وخاتمة .
* التقسيم الاصطلاحي للموضوع يكون كآلاتي :
* أبواب وتحت الباب فصول وتحت الفصل مباحث وتحت المبحث مطالب وتحت المطالب مسائل وتحت المسائل فروع .
* وهذا التقسيم وسيلة لتوضيح تفريع البحث فيُنتفع به لتحقيق المقصود لا أن يكون مقصودا لذاته .
* عند ذكر أي فائدة أو نقل فلابد من عزوها في الحاشية ، والعزو لابد أن يكون من المراجع الأصلية لهذا النقل .
* النقل في البحث إن كان بالنص فلابد أن يوضع بين علامتي التنصيص "…………" ويكون العزو إليه في الحاشية بذكر الكتاب دون كلمة انظر .
* أما إن كان النقل بالمعنى فانه لا يوضع علامة تنصيص وإنما يوضع في الحاشية اسم الكتاب وقبله كلمة : انظر.
نموذج توضيحي لمخطط بحث علمي
عنوان البحث ( سجود التلاوة والشكر )
يشتمل البحث على مقدمة وتمهيد وفصلان وخاتمة .
المقدمة :
* أسباب اختيار الموضوع وبيان أهميته .
* ذكر خطة البحث .
التمهيد: في تعريف سجود الشكر وسجود التلاوة .
الفصل الأول :سجود التلاوة . وفيه أربعة مباحث :
المبحث الأول : حكم سجود التلاوة .
المبحث الثاني : عدد سجود التلاوة . وفيه مطالب :
المطلب الأول : تحديد مواضع سجدات التلاوة ( المتفق عليها ) في القرآن الكريم.
المطلب الثاني : تحديد مواضع سجدات التلاوة ( المختلف فيها ) في القرآن الكريم.
المطلب الثالث : حكم سجود التلاوة في المواضع المختلف فيها .
المبحث الثالث : حكم سجود التلاوة للمستمع في غير الصلاة .
المبحث الرابع : صفة سجود التلاوة . وفيه مطالب :
المطلب الأول : ما يقال في سجود التلاوة .
المطلب الثاني : حكم الطهارة واستقبال القبلة والتكبير والتشهد والسلام في سجود التلاوة ( في غير الصلاة ) .
الفصل الثاني : سجود الشكر . وفيه مباحث :
المبحث الأول : حكم سجود الشكر .
المبحث الثاني : سب سجود الشكر .
المبحث الثالث : ما يقال في سجود الشكر .
الخاتمة : وتتضمن أهم النتائج البحث .
الفهارس :
- فهارس المراجع : وتذكر المراجع مرتبة حسب الحروف الهجائية كآلاتي :
- ( الكتاب –المؤلف – المحقق – الناشر – الطبعة و سنتها ) .
- فهارس الآيات .
- فهارس الأحاديث .
- فهارس الآثار .
- فهارس الموضوعات .
تنبيه : الهدف من هذه المادة : أن يكون الطالب قادراً على البحث العلمي ، والسير وفق خطوات البحث في المسائل الاجتهادية و الوصول في النهاية إلى القول الراجح . ولذلك فإنه ينبغي على كل طالب أن يقتصر في البحث على نفسه من المصادر الأصلية دون الاعتماد على زملائه ، وهذا من أهم أسباب تحقيق هذا الهدف .
نموذج توضيحي في بحث المسائل الخلافية ( الاجتهادية ) .
مثال في ذكر منهج الباحث في مقدمة بحثه :
منهج البحث .
سيكون منهجي في بحث مسائل الموضوع كالآتي :
أ - المسألة المجمع عليها ، أوثق الإجماع عمن حكاه من أهل العلم .
ب - المسائل المختلف فيها أبحثها من خلال الخطوات الآتية :
1- التمهيد ، عند الحاجة من أجل توضيح المسألة .
2- تحرير محل النزاع .
3- ذكر أقوال المذاهب الأربعة في المسألة ، مع ذكر ما يتيسر من أقوال الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين ، وتوثيق نسبتها للقائلين بها من الكتب المعتمدة في ذلك .
4- ذكر أدلة الأقوال ، مع بيان وجه الدلالة منها ، بحسب ترتيب الأقوال، وقد أخالف ذلك أحياناً عند اقتضاء المصلحة .
5- المناقشة بعد كل دليل ، إن وجدت .
6 - الإجابة عن تلك المناقشة ، إن وجدت .
7- الترجيح بين الأقوال بعد النظر والموازنة بين الأدلة .
ج - عزو الآيات القرآنية إلى مواضعها .
د - عزو الأحاديث والآثار إلى من خرجها ، بادءاً بذكر الكتب الستة ثم مسند الإمام أحمد ثم كتب الحديث الأخرى بحسب التاريخ .
فإن كان في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بالعزو إليه .
هـ - ذكر درجة الأحاديث المستدل بها في البحث ، وذلك من الكتب المعتمدة في هذا الشأن ، ما لم تكن في الصحيحين أو أحدهما .
مثال في بحث مسألة خلافية :
عنوان المسألة : آخر وقت الأداء لصلاة الوتر .
تحرير محل النزاع :
أجمع العلماء على أن وقت الوتر يمتد إلى طلوع الفجر[1]
واختلفوا فيما بين طلوع الفجر إلى صلاة الفجر هل هو وقت للوتر أو ، لا ؟.
الأقوال في المسألة :
القول الأول: أنه وقت ضرورة للوتر[2]
وهو مذهب المالكية [3]
القول الثاني: أنه وقت جواز للوتر .
وهو رواية عن أحمد [4] ,وحكاه ابن المنذر عن جماعة من السلف [5]
القول الثالث: أنه ليس وقتاً للوتر .
وهو مذهب الحنفية[6]، والشافعية [7]،والحنابلة[8]وقول عطاء، والنخعي ، وسعيد بن جبير ، ومكحول ، والثوري ، وإسحاق بن راهوية[9]، وابن حزم [10]- رحمهم الله تعالى - .
سبب الخلاف :
سبب الخلاف في هذه المسألة ، هو التعارض الظاهري بين النصوص ، والتعارض بين الآثار الواردة عن الصحابة [11]رضوان الله عليهم أجمعين
أدلة الأقوال :
أدلة القول الثاني [12]
استدلوا بالسنة والآثار .
فمن السنة :
1- عن أبي تميم الجيشاني يقول : سمعت عمرو بن العاص رضي الله عنه يقول : أخبرني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقول : أن رســــول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( إن الله عز وجل زادكم صلاة فصلوها فيما بين صلاة العشاء إلى صلاة الصبح ،الوتر الوتر )) .
ألا وإنه أبو بصرة الغفاري . قال أبو تميم فكنت أنا وأبو ذر قاعدين . قال : فأخذ بيدي أبو ذر فانطلقنا إلى أبي بصرة فوجدناه عند الباب الذي يلي دار عمرو بن العاص : فقال أبو ذر : يا أبا بصرة ، أنت سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول :( إن الله عز وجل زادكم صلاة ، فصلوها فيما بين صلاة العشاء إلى صلاة الصبح ، الوتر الوتر ) . قال : نعم . قال : أنت سمعته ؟ . قال : نعم . قال : أنت سمعته ؟ قال : نعم ) [13]
هذا الحديث صريح في امتداد وقت الوتر إلى صلاة الفجر .
المناقشة
يمكن مناقشة هذا الاستدلال من وجهين :
الأول : أن قوله صلى الله عليه وسلم : ((إلى صلاة الفجر )) محمول على مضاف محذوف ، تقديره :إلى وقت صلاة الفجر ، جمعا بين هذا الحديث وحديث خارجه بن حذافة رضي الله عنه أنه قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ((إن الله تعالى قد أمدكم بصلاة وهي خير لكم من حمر النعم ، وهي الوتر ، فجعلها لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر))[14]
الثاني : أن هذا الحديث صريح في امتداد الوقت إلى صلاة الفجر ، ولكن الوقت من طلوع الفجر إلى صلاة الفجر محمول على وقت الضرورة للوتر ، لا وقت السعة والاختيار ، جمعاً بين هذا الحديث وما في معناه وبين النصوص الأخرى الدالة على انتهائه بطلوع الفجر[15][15] .
الجواب عن هذه المناقشة
أجيب عن الوجه الأول من المناقشة ، بأن حديث خارجة رضي الله عنه ضعيف ، وعلى فرض صحته فإن الأصل إمضاء الحديث على ظاهره ، ولا تعارض بين الحديثين ، وإنما دل حديث أبي بصرة رضي الله عنه على زيادة في وقت الوتر ، فوجب العمل به .
2 - عن أبي نهيك أن أبا الدرداء رضي الله عنه كان يخطب الناس أن لا وتر لمن أدرك الصبح ، فانطلق رجال من المؤمنين إلى عائشة - رضي الله عنها - فأخبروها ، فقالت : (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح فيوتر )) .[16] فالنبي صلى الله عليه وسلم أوتر بعد ما أصبح ، فدل على أن وقت الوتر لا ينتهي بطلوع الفجر.
المناقشة :
يناقش هذا الاستدلال من وجهين :
الأول : أن هذا الفعل معارض بقوله صلى الله عليه وسلم : " أوتروا قبل أن تصبحوا [17]
ويمكن الجمع بينهما بحمل القول على وقت الاختيار ، وفعله على وقت الاضطرار، وأنه رضي الله عنه أخر الوتر لعذر .
ثانيا : على فرض عدم إمكان الجمع ، فإن القول مقدم على الفعل عند التعارض ؛ لأنه تشريع عام للأمة.[18]
الجواب على هذه المناقشة :
إن امتداد وقت الوتر إلى صلاة الفجر لم يثبت بفعله صلى الله عليه وسلم فقط ، بل ثبت من قوله أيضا كما في حديث أبي بصرة رضي الله عنه [19]]
وبه يجاب عن الوجه الثاني من المناقشة.
و الأدلة من الآثار :
3 - عن عاصم بن ضمرة قال : جاء نفر إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه فسألوه عن الوتر ؟ فقال : " لا وتر بعد الأذان " فأتوا علياً فأخبروه فقال : " لقد أغرق في النزع وأفرط في الفتيا ، الوتر ما بيننا وبين صلاة الغداة " .[20]
4- عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال : ((الوتر ما بين الصلاتين)) [21]
5- عن ابن عباس رضي الله عنه قال : (( أُوتر بعد طلوع الفجر )) .[22]
6- عن سعيد بن جبير أن ابن عباس رضي الله عنهما (( رقد ثم استيقظ ، ثم قال لخادمه : انظر ما صنع الناس ، وقد كان يومئذ ذهب بصره ، فذهب الخادم ، ثم رجع فقال : قد انصرف الناس من الصبح ، فقام عبدالله بن عباس فأوتر ثم صلى الصبح [23]
7- عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال : (( ما أبالي لو أقيمت صلاة الصبح ، وأنا أوتر ))[24]
8- عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : ((ربما أوترت وإن الإمام لصاف في صلاة الصبح )) [25]
وجه الدلالة : دلت هذه الآثار من أقوال الصحابة وأفعالهم على أن امتداد وقت الوتر إلى صلاة الفجر ، أمر معلوم عندهم.[26]
أدلة القول الثالث :
1- عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((صلاة الليل مثنى مثنى ، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى )) [27]
2- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :(( أوتروا قبل أن تصبحوا)) [28]
3- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : (( من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وترا قبل الصبح ، كذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرهم)) .[29]
وجه الدلالة :
إن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالوتر قبل الصبح في هذه الأحاديث واضح الدلالة في انتهاء وقت الوتر بطلوع الصبح.[30].
المناقشة :
إن المراد بهذه الأحاديث هو خروج وقت الاختيار للوتر ، ويبقى إلى صلاة الفجر وقت ضرورة لها ، جمعا بينها وبين النصوص الأخرى . الدالة على امتداد وقت الوتر إلى صلاة الفجر. [31][31]
4- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( من أدرك الصبح ولم يوتر فلا وتر له )) [32]
فحديث أبي سعيد - رضي الله عنه – هذا صريح الدلالة في خروج وقت الوتر بطلوع الصبح .
المناقشة :
يناقش هذا الاستدلال من وجهين :
أولا : هذا الحديث بهذا اللفظ فيه ضعف ، كما سبق في إعلال البيهقي له .[33]
ثانيا : على فرض صحته بهذا اللفظ ، فإن قوله صلى الله عليه وسلم : ((من أدرك الصبح)) .
لا يخلو من أحد احتمالين : إما أن يكون معناه : من أدرك وقت الصبح ، أو من أدرك صلاة الصبح ، فيحمل على المعنى الثاني جمعا بينه وبين النصوص الأخرى الدالة على امتداد الوقت إلى صلاة الفجر .[34]
5 - عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من نام عن الوتر أو نسيه ، فليصل إذا أصبح أو ذكره)) [35].
وجه الدلالة :
إن قوله صلى الله عليه وسلم :( من نام عن الوتر أو نسيه ) معناه أن من فاته الوتر بسبب النوم أو النسيان ، فإنه يصليه إذا أصبح أوذكره . وهذا يفهم أن الصبح ليس من وقت الوتر ، إذ لو كان من وقته لكان مدركاً له ولم يكن قد نام عنه أو نسيه .
المناقشة :
يمكن مناقشة هذا الاستدلال من وجهين :
أولا : دلالة هذا لحديث في انتهاء وقت الوتر محموله على وقت الاختيار ، أما وقت الضرورة فيمتد إلى صلاة الفجر، جمعاً بينه وبين النصوص الأخرى الدالة على امتداده إلى صلاة الفجر .[36]
ثانيا : على فرض عدم إمكان الجمع بينها ، فإن دلالة حديث أبي سعيد رضي الله عنه بالمفهوم ، ودلالة النصوص الأخرى الدالة على انتهاء وقت الوتر بصلاة الفجر بالمنطوق .
ودلالة المنطوق مقدمة على دلالة المفهوم عند التعارض .[37]
6 - عن خارجة بن حذافة رضي الله عنه أنه قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ((أن الله تعالى قد أمدكم بصلاة وهي خير لكم من حمر النعم ، وهي الوتر ، فجعلها لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر )) .[38]
وهذا الحديث صريح في أن وقت الوتر ينتهي بطلوع الفجر .
المناقشة :
يمكن مناقشته من وجهين :
أولا : أن الحديث ضعيف ، ففيه عبدالله بن راشد الزوفي وهو مجهول .
ثانيا : على فرض صحته ، فهو محمول على انتهاء وقت الاختيار جمعا بينه وبين النصوص الأخرى الدالة على امتداده إلى صلاة الفجر .
أدلة القول الأول:
يستدل لهم بمجموع أدلة القول الثاني والثالث .
فأدلة القول الثالث تدل على انتهاء وقت الوتر بطلوع الفجر ، وأدلة القول الثاني تدل على امتداد وقت الوتر إلى صلاة الفجر .
فحملوا أدلة القول الثالث عن انتهاء وقت الاختيار للوتر . وحملوا أدلة القول الثاني على وقت الضرورة ؛ أي من طلوع الفجر إلى الصلاة . وبهذا تجتمع الأدلة ويعمل بها جميعا و لا تتعارض.
الترجيح وبيان سببه :
الراجح هو القول الأول : أن الوقت من طلوع الفجر إلى صلاة الفجر وقت ضرورة للوتر.
وذلك لما فيه من الجمع والتوفيق بين حديث أبي بصرة وأبي الدرداء وآثار الصحابة في الصلاة بعد أذان الفجر وقبل الصلاة ، وبين الأحاديث الدالة على انتهاء وقت الوتر بطلوع الفجر كحديث ابن عمر وما في معناه ، بخلاف القولين الآخرين ، فإن في الأخذ بأحدهما ترك لبعض الأدلة ، فضعف استدلالهم بذلك ، كما ظهر من خلال المناقشة.